فخر الدين الرازي
227
شرح عيون الحكمة
أن المستدل اما أن يفهم ذلك أو لا يفهمه - فإن لم يفهمه لم ينازعه فيه ، بل طالبه بالتفهيم ، وان فهمه ، فاما أن يقطع بالصحة أو بالفساد ، وبالجملة : فإذا تناظر انسانان وكان مطلوبهما طلب الحق فقط ، امتنع أن يقع بينهما منازعة ، بل لا يخرج الحال عن أمور ثلاثة : أما الاعتراف ، واما التفهيم ، وأما التوقف . فثبت : أن المفاوضة لأجل تحقيق الحق وابطال الباطل ، يمتنع أن يقارنها حصول المنازعة . الثاني : ان تحقيق الحق مشتمل على ابطال الباطل . لأن الحكم على الباطل بأنه باطل حكم حق ، فكان تقرير هذا الحكم تحقيقا للحق . فثبت : أن تحقيق الحق مشتمل على ابطال الباطل . الثالث : ان الطبيب انما يكون طبيبا لأنه حصلت له ملكة المعالجة ، لا لكونه مشتغلا بالعلاج في الحال . فكذلك المجادل انما يكون مجادلا ، لأنه حصلت له ملكة هذا العمل . والدليل عليه : أنا لو فرضنا انسانين في غاية الحماقة والبعد عن الفهم . لو تفاوضا وتنازعا لغرض تحقيق حق أو ابطال باطل ، وكانا لا يعرفان طريق المناظرة ولا قانون المكالمة . فهناك قد حصلت مناظرة تجرى بين متفاوضين لغرض تحقيق حق أو ابطال باطل ، مع أن أحدا لا يقول : أنهما يتجادلان ، بل يقال : أنهما أحمقان فضوليان يذكران كلمات فاسدة باطلة . فثبت : أن هذا التعريف مختل . الرابع : ان الجدلي قد يجادل في تحقيق الباطل وابطال الحق . ألا ترى قوله تعالى : « ما يجادل في آيات اللّه الا الذين كفروا » « 5 » فعلمنا : أنه ليس من شرط كونه جدليا أن تكون منازعته لأجل تحقيق الحق وابطال الباطل . فثبت : أن هذا التعريف مختل . والصحيح أن يقال : الجدل ملكة صناعية يتمكن صاحبها بها من تركيب الحجة من مقدمات مشهورة أو مسلمة ، لانتاج نتيجة ظنية . وانما قلنا : حجة ، حتى نتناول القياس والاستقراء ، وأما أن مثل هذه الصناعة كيف سميت بالجدل ، فقد شرحناه .
--> ( 5 ) غافر 4 .